أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

143

عجائب المقدور في نوائب تيمور

فأما القلعة فإنها استعدت للحصار ، وكان نائبها يدعى ازدار ، فحصنها ، وبالأهبة الكاملة مكنها ، وانتظر من السلطان نجدة أو مانعا ربانيا يفرج عنه الشدة ، فلم يلتفت تيمور في أول الأمر إليها ، ولا احتفل بها ولا عرج عليها ، بل صرف همه إلى تحصيل الأموال ، وتوسيق الأحمال بالأثقال ، فلما حصل الثقل ، وإلى خزائنه انتقل ، طرح على المدينة أموال الأمان ، واستعان على استخلاصها ، بهؤلاء الأعيان ، وأقام عليهم دواوينه وكتبته ، وأهل الضبط والحرص من مباشريه وحسبته ، وفوض ذلك إلى كفاية الله داد ، أحد أركان دولته ، ومن عليه الاعتماد ، وهو أخو سيف الدين المار ذكره في أول الكتاب ، لأمه ، وأقام معهم كل جبار عنيد ، ومن نشأ في حجر الفظاظة ورضع ثدي ظلمه ، ونادى بالأمان والاطمئنان ، وان لا يبغى انسان على انسان ، فمد بعض الجغتاي يدهم إلى غاره ، بعد ما سمعوا هذا النداء واشتهاره ، فبلغ ذلك تيمور ، فأمر بصلبهم في مكان مشهور ، فصلبوهم في الحريرين ، برأس سوق البزوريين ، ففرح الناس بهذه الفعلة ، وأملوا خيره وعدله ، وفتحوا من أبواب المدينة الباب الصغير ، وشرعوا يحررون أمر المدينة على النقير والقطمير ، فوزعوا هذه الأموال على الحارات ، وتنادى أهل الظلم والعدوان من القريب والغريب بالشارات ، وجعلوا دار الذهب مكان المستخلص ، وطفقوا يلقون الناس في ذلك القنص ، وتسلط بعض الناس على البعض ، واصطاد أرانب الأرض بكلاب الأرض ، وكان فصل الخريف كجيش مصر قد قفل ، وفصل الشتاء بزمهريره كجند تيمور بنيرانه على العالم قد نزل ، فانتقل إلى القصر الأبلق ، ثم إلى بيت الأمير بتخاص ، وأمر بالقصر أن يهدم ويحرق . ودخل إلى المدينة من الباب الصغير ، في جمع كثير وصلى الجمعة في جامع بني أمية ، وقدم الحنفية على الشافعية ، وخطب به قاضي القضاة محيي الدين محمود بن العز الحنفي المذكور ، وجرى ما يطول شرحه من أمور وشرور .